سيد محمد طنطاوي

347

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جهنم ، بسبب إصرارهم على كفرهم وعدوانهم ، ولهم نار أخرى زائدة على غيرها في الإحراق . والمراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات : كفار قريش ، كأبى جهل وأمية ابن خلف . وغيرهما ، فقد عذبوا بلالا ، وعمار بن ياسر ، وأباه وأمه سمية . ويؤيد أن المراد بالذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات كفار قريش ، قوله - تعالى - : * ( ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ) * لأن هذه الجملة تحريض على التوبة ، وترغيب فيها للكافرين المعاصرين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم . ويصح أن يراد بهم جميع من عذبوا المؤمنين والمؤمنات ، ويدخل فيه أصحاب الأخدود ، وكفار قريش دخولا أوليا . وجمع - سبحانه - بين عذاب جهنم لهم ، وبين عذاب الحريق ، لبيان أن العذاب لهم مضاعف ، بسبب طغيانهم وشركهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين والمؤمنات من ثواب وعطاه كريم فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا ) * الأعمال * ( الصَّالِحاتِ لَهُمْ ) * أي : عند ربهم * ( جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * أي تجرى من تحت أشجارها وبساتينها الأنهار * ( ذلِكَ ) * العطاء هو * ( الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ) * الذي لا فوز يضارعه أو يقاربه . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ، ما يدل على نفاذ قدرته ومشيئته ، حتى يزداد المؤمنون ثباتا على ثباتهم ، وصبرا على صبرهم فقال : * ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ) * . والبطش : هو الأخذ بقوة وسرعة وعنف . أي : إن بطش ربك - أيها الرسول الكريم - بالظالمين والطغاة لبالغ نهاية القوة والعنف : فمر أصحابك فليصبروا على الأذى ، فإن العاقبة الحسنة ستكون لهم وحدهم . * ( إِنَّه هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ ) * أي : إنه وحده هو الذي يخلق الخلق أولا في الدنيا ، ثم يعيدهم إلى الحياة بعد موتهم للحساب والجزاء ، وهو - سبحانه - وحده الذي يبدئ البطش بالكفار في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة بصورة أشد وأبقى . وحذف - سبحانه - المفعول في الفعلين ، لقصد العموم ، ليشمل كل ما من شأنه أن يبدأ وأن يعاد من الخلق أو من العذاب أو من غيرهما . * ( وهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ) * أي : وهو - سبحانه - الواسع المغفرة لمن تاب وآمن ، وهو الكثير المحبة والود لمن أطاعه واتبع هداه .